Aller au contenu principal

كيف فسّرت حياة القدّيسين الكتاب المقدّس؟

اسي مينا

رغم ضرورة الجهود الأكاديميّة المبذولة في تفسير الكتاب المقدّس والاجتهاد في تحليل السياق التاريخيّ للنصّ، وشرح اللغة، وفكّ الرموز، فإنَّ أيَّ عملٍ أكاديميٍّ أو بحثٍ تاريخيّ صرف يبقى جزءًا من الصورة لا كلَّها، وثمّة شيء ما ينقصها.

لا تتضح معاني الكتاب المقدَّس وتنكشف مكنوناتها وتصبح أقرب إلى الفهم، إلّا عبر الذين عاشوا كلمته بكلّ كيانهم وعانوها واختبروها وسمحوا لها بأن تمسّهم، كما شرح المطران بشّار متّي وردة، راعي إيبارشيّة أربيل الكلدانية، في حديثه. وأوضح أنّ هذه الفكرة ليس فيها انتقاصٌ من قيمة الدراسات الكتابيّة، لكنّها تضعها في مكانها الصحيح. «فالكتاب المقدّس ليس نصًّا جامدًا ينتظر منّا أن نُفكّكه، بل كلمة حيّة تريد أن تسكن بيننا وفينا».

المفسّرون الحقيقيّون للكتاب المقدّس!

النصّ لا يعطي معانيه بالكامل لمن يقف خارجه، بل لمن يدخل ويسبر أغواره ويُقيم معه ويسكن فيه. لذا «ما انفكّت الكنيسة تُشجّع على قراءة حياة القدّيسين، وهكذا علّم البابا بنديكتوس السادس عشر حين قال: "إنّ القدّيسين هم المفسّرون الحقيقيّون للكتاب المقدّس"»، حسب وردة.

وتابع: «لا يتحدّث البابا عن أشخاصٍ يملكون معلومات أكثر من غيرهم، بل عن أُناس سمحوا للكلمة بأن تسكن فيهم، لتعيد تشكيلهم؛ أي خَلْقَهم من جديد. فالمعنى في الكتاب المقدّس ليس فكرةً نظريّة فحسب، بل دعوة ومسؤوليّة. والدعوة لا تُفهم تمامًا إلا حين تُستجاب».

خبرة لا تُقرأ في الكتب

واستطرد: «مَن يقرأ عن الغفران مِن دون أن يغفر، يبقَ على سطح النصّ. أمّا مَن اختبر مَرارة الجرح والألم والخيانة، ثم اختار أن يَغفر، فهو يعرف شيئًا من عمق الكلمة الذي لا يُدرَّس في الكتب. وهكذا، لا يمكننا أن نطلب من الله أن يصغي إلينا إن كنّا نرفض الإصغاء إلى الآخرين، ولا يمكننا أن نطلب غفرانه إن كنّا نُصرّ على ألّا نغفر».

يحمل الكتاب المقدّس دائمًا بُعدًا مستقبليًّا، ليس بالمعنى الزمنيّ الضيّق، بل مستقبل الإنسان حين يختار أن يعيش بحسب ما يقرأ فيكتشف حينئذٍ أن هناك إنسانًا جديدًا يمكن أن يولد. هذا الوليد هو المستقبل الذي يخفيه النص، مستقبلٌ لا يظهر في لحظة قراءة سريعة، بل حين نصبر على الكلمة، ونسمح لها بأن تدخل صراعاتنا وقراراتنا اليوميّة. لهذا لا يمكن أن يكون التفسير عملًا أكاديميًا صِرْفًا.

وختم وردة مشدّدًا على أنّ المعرفة ضروريّة كي لا نُسيء فَهْمَ النَّص، لكنّها لا تكفي كي نختبر قوّته. «وعندما تتحوّل القراءة إلى حوار، يبدأ النص طَرْح أسئلةٍ علينا بدل أن نطرح نحن عليه الأسئلة فقط، عندئذٍ نكتشف أنّ التفسير ليس امتلاكًا للمعنى، بل مسيرة معه».

المصدر: آسي مينا / جورجينا حبابه