تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

ترخيص المتحف الآراميّ في جبعدين السوريّة... خطوة لحماية لغة المسيح

المتحف

دمشق - هل يمكن لبيتٍ حجريّ قديم في قرية منسيّة على أطراف ريف دمشق أن يتحوّل إلى خطّ دفاع عن لغةٍ تعود جذورها إلى ألفي عام؟ سؤالٌ بدا أقرب إلى الحلم حين أطلق مثقّفو قرية جبعدين السوريّة مبادرتهم قبل سنوات، لكنّه يكتسب اليوم مشروعيّته بعد حصول المتحف الآراميّ في القرية على ترخيص رسميّ حكوميّ، بدعم من «المؤسّسة السوريّة العالميّة لحماية اللغة الآراميّة» ورئيس مجلس أمنائها جهاد زخّور.

في حديث خاصّ إلى «آسي مينا»، أوضح زخّور أنّ فكرة المتحف تعود إلى مبادرة أهليّة تمثّلت في تحويل منزلٍ قديم تملكه عائلة فياض إلى فضاء يعرض أدواتٍ وملابسَ تقليديّة (مرفقة بمسمّياتها الآراميّة) عمرها مئات السنين، كان أهالي جبعدين يستخدمونها في حياتهم اليوميّة، وذلك في محاولةٍ لربط الذاكرة المادّية بالهويّة اللغويّة. وذكر أنّ المتحف لا يضمّ آثارًا تعود إلى ممالك الآراميّين القديمة، إذ إنّ تلك المقتنيات محفوظة في المتاحف الوطنيّة السوريّة، ما يضع المشروع في إطاره الصحيح بوصفه متحفًا تراثيًّا محلّيًّا لا أثريًّا بالمعنى الكلاسيكيّ.

غير أنّ الطريق إلى الترخيص لم يكن سهلًا. فبحسب زخّور، لم تكن السلطة السوريّة السابقة مستعدّة لمنح موافقة رسميّة، واقتصر الأمر لسنوات على تفاهمات شفهيّة مع وزارتي السياحة والثقافة ومحافظة ريف دمشق، تسمح بفتح المتحف للزائرين عند الطلب. وهو ما انطلق في العام 2018، مع زيارة زخّور نفسه جبعدين، رغم مخاطر القتل أو الخطف.

وبيَّنَ زخور أنّ الهدف الأساس من المتحف يتمثّل في ضمان استمراريّة التحدّث بهذه اللغة وإحياء الكتابة بها، بعدما فقَدَ الناطقون المعاصرون قدرتهم على تدوينها. وقال: «تعمل "المؤسّسة السوريّة العالميّة لحماية اللغة الآراميّة" منذ العام 2020 على اعتماد الخطّ السريانيّ الأسطرنجيليّ لكتابة الآراميّة المحكيّة، بدلًا من كتابتها أحيانًا بالأحرف العربيّة أو اللاتينيّة، بما يُرسّخ هويّة لغويّة أكثر اتّساقًا مع جذورها التاريخيّة».

البُعد السياحيّ حاضر بدوره في رؤية المشروع. وشدّد زخّور على أنّ المتحف يُراد له أن يكون صرحًا تراثيًّا يروّج للقرية ويعود بفائدة اقتصاديّة على سكّانها، خصوصًا أنّ جبعدين واحدة من ثلاث قرى فقط في العالم لا يزال أهلها يتكلّمون الآراميّة، إلى جانب بخعا ومعلولا. وإذا كانت الأضواء مسلّطة على معلولا، فإنّ القريتين الأخريين ظلّتا في الظلّ، ما دفع القائمين على المتحف إلى السعي لإعادة الاعتبار لجبعدين التي يعتزّ مثقّفوها بآراميّتهم.

وفي معطى لافت، أشار زخور إلى أنّ أهالي جبعدين مسلمون سُنّة، ما يُبدّد تصوّرات شائعة تربط الآراميّة بالمسيحيّين حصرًا. وأكّد أنّ الآراميّة المحكيّة في القرية اليوم تُعدّ الأقرب، بنسبة تتراوح بين 70 و75% من مفرداتها، إلى الآراميّة التي تكلّم بها السيّد المسيح. وقدَّرَ أنّ العدد الإجماليّ للمتكلّمين بها حاليًّا لا يتجاوز 12 ألفًا.

المصدر: سهيل لاوند، آسي مينا.