Aller au contenu principal

عظة قداس اكليل الشوك في دير هوذا الرجل، القدس

البط

أيّها الإخوة والأخوات الأعزاء،

إن صورة المسيح المُتوَّجِ بالشوك ”ها هُوَذا الرًّجُل“ والتي نحتفل بذكراها اليوم، هي واحدة من أصعب الصور فهماً ولكنّها أعمقها دلالةً في تقليدنا الكنسي. فهي ليست مجرد لحظة قسوة من لحظات آلام الربّ، بل إعلان لوجه الله ووجه الإنسان معًا.

تقود مسيرة العهد القديم الى اللقاء بوجه الله، فإن قلب المؤمن يتوق إلى رؤية وجهه: "ظَمِئَت نَفْسي إِلى الله، إِلى الإلٰهِ الحَيّ.  متى آتي وأَحضُرُ أَمامَ الله" (مز 42، 3). كان موسى يكلّم الله "وجهاً إٍلى وجه" (خروج 33، 11)، ولكن حين طلب أن يرى مجد الله، كانت الإجابة واضحة: "أَمَّا وَجهي فلا تَستَطيعُ أَن تَراه" (خروج 33: 20)، يبقى وجهُ اللهِ محتجبًا، فوجهُهُ أمرٌ فائق، لأنه يكشف فيضُ وجودِ الله وقداسته ومحبته الذي لا يستطيع الإنسانُ الخاطئ أن يحتمله. تعكس الشريعة والأنبياء والحكمة ملامح الله دون أن تُظهرها بجلاء تام. فوجهُ الله هو الشوقُ العظيم في قلب كلّ إنسان، وتبقى الطلبةُ القديمةُ على حالها: "أَنِرْ علَينا بِوَجهِكَ فنَخلُص" (مزمور 80: 4).

ومع التجسّد، صار شوق الإنسان ملموس، "إِنَّ اللهَ ما رآهُ أَحدٌ قطّ، أَلِٱبنُ الوَحيدُ الَّذي في حِضْنِ الآب، هو الَّذي أَخبَرَ عَنه" (يو 1: 18). في يسوع الناصري أصبح لوجه الله أنفٌ وعينان وفم، يبتسم للأطفال، يتحنّن على الجموع، يغضب من الرياء، يبكي على صديقه الميّت. إنّه وجهٌ بشريّ، مألوف، سَهْل الفهم، إنه إله ظاهر وقريب ”على مقاسنا“. قد نميل الى التوقف هنا، لكن  التتويج بالشوك الذي يصفه إنجيل اليوم (مت 27: 27-31) يقودنا إلى ما هو أبعد من ذلك. إنّه مشهد سخريةٍ يتحوّل، في مفارقة إلهيّة، إلى إعلانٍ لحقيقةٍ أعمق، ففيه يُظهر الله لنا جانبًا آخر من وجهه، لا في المجد كما تمنّى موسى، بل في الألم والإذلال. تلك هي مناقضة وجه الله.

يصف لنا الإنجيل بعض السمات المميزة لهذا الوجه:

الإكليل :  رمزٌ ملكيّ، لكنّه مصنوع من الشوك، وهي العلامة للعنة الأرض بعد وقوع الخطيئة الأولى (تك 3: 18). ها هو الملك يحمل على عاتقه لعنة العالم. ملكوته لا يقوم على سلطةٍ تسحق، بل على محبّةٍ تسمح بأن تُطعَن. جلاله في تواضعه، وقوّته في هشاشته.

الوجه المشوَّه :  كان أشعيا قد تنبّأ عن خادم الرب المتألّم: "هٰكذا لم يَعُدْ مَنظَرُه مَنظَرَ إِنْسان" (راجع أش 52: 14). لم يعد وجه الله وجه المعلّم المحبوب، بل وجه البريء المعذَّب، والبارّ المستهزأ به.

نرى وجه المسيح اليوم في كلّ من يتألّم ويُهان، جسديًا أو روحيًا أو اجتماعيًا. عندما نتأمّل المسيح المستهزأ به، لا نستحضر ذكرى من الماضي فحسب، بل نرى انعكاسًا يتجلى اليوم في جميع المتألّمين بسبب الفقر أوالمرض وفي أماكن النزاع. كلّ فعل تجريدٍ للإنسان من إنسانيّته هو اعتداءٌ على الله؛ وكلّ ردّ كرامةٍ لإنسان هو فعل عبادة.

كل عمل من أعمال نزع الإنسانية، كل مرة يتم فيها تشويه وجه الإنسان، نرتكب عملاً ضد الله، في حين أن كل استعادة للكرامة تصبح بمثابة عمل عبادة. 

( Ecce Homo)"هُوَذا الرَّجُل!" (يو 19: 5): هو الاسم الذي نطلقه على هذا المكان الذي نحتفل فيه اليوم. بيلاطس، من غير أن يدرك، أعلن حقيقةً لاهوتيّة. ففي ذاك الرجل المجلود والمتوَّج سخريةً يكمن ملء الإنسانيّة، لأنّ فيه اتّحد اللاهوت (الطبيعة الإلهية) بالناسوت (الطبيعة البشرية)، وهكذا أظهر أيضًا وجه الله. يمكننا أن نقول: «ها هو إلهكم!». إنّه الإله الذي لا يظهر في القوّة، بل في الإخلاء التامّ للذات (راجع في 2: 7).

في تلك اللحظة، يلتزم يسوع الصمت. لا يرد على السخرية، ولا يكشف الكذب بالجدل، ولا يستدعي جيش الملائكة. صمته مُعبر. إنه صمت المحبّة التي لا تجيب الكراهية بالكراهية، وعلى العنف بالعنف. صمتٌ يمتصّ الشرّ، ويغمره في عمق رحمته ويجرّده من سلاحه. في ذلك الصمت، يكشف الله عن عظمة قوته، وهي القدرة على الغفران، على تحويل السمّ إلى دواء بمد الرحمة. إنه صمتٌ يدعونا، نحن تلاميذه، إلى تغيير وجودي: الرد على الشر ليس بالانتقام بل بغفرانٍ خلّاق؛ والرد على الظلم ليس بالاحتجاج فحسب، بل بالشهادة الباذلة للذات.

لكن الآلم ليس لها الكلمة الأخيرة. فإكليل الشوك يُستبدَل بإكليل مجد القيامة. لكنّ الجراح تبقى. فالمسيح القائم يُظهر لتوما جراحه (يو 20: 27). تلك الندبات التي خلفها التاج، لم تُمحَ؛ بل تجلّت. أصبحت ختمًا دائمًا للحب، قنواتًا تتدفق عبرها الحياة الإلهية إلى العالم. إنها تقول لنا أن الله لم يتجنب الألم البشري، بل مر بها وافتداها. وجهه الممجَّد يحمل إلى الأبد علامات حبّه الفائق. وكذلك بالنسبة لنا: إذا اتّحدت أشواكنا بأشواكه، لن تُمحى، بل يمكن أن تتحوّل إلى أدوات للرحمة وموضع للقاء به.

أيّها الأحبّاء،
إنّ التأمّل في وجه المسيح المتوَّج بالشوك يُغيرنا.

يبدّل فكرنا عن الله: لم يعد إلهًا بعيدًا غير مبالي لآلامنا، بل هو الله معنا، يصرخ في وسط ألم العالم ويفديه بالدخول اليه.

ويبدّل نظرتنا إلى الآخرين: نتعلّم أن نرى وجه المسيح في كلّ وجهٍ مُهانٍ أو متألّمٍ أو مُهمَّش. إكليل الشوك يوضع على رأس كلّ منبوذٍ.

ويبدّل نظرتنا إلى أنفسنا: إذ إنّ معاناتنا وآلامنا الداخليّة، اللحظات التي نشعر فيها بالإهانة أو بالعجز، ليست علامات فشلٍ أو بُعدٍ عن الله، بل يمكن أن تصير المكان المميَّز للقاء وجهه عن قرب، بصدقٍ ومن دون أقنعة.

فلنحمل إلى هذا الوجه المقدّس شكوكنا، كي يهبنا، هو المستهزأ به، إيمانًا نقيًّا. ولنحمل تعب رجائنا وسط كلّ يأس، كي يسكب فينا، هو المتروك، رجاءً راسخًا. ولنحمل قساوة قلوبنا، كي يجعلها هو، الذي من جنبه المطعون خرج دمٌ وماء، قلبًا من لحم، قادرًا على الرحمة.

"هوذا الرجل! هوذا إلهكم!"
وبتأمّلنا فيه، نتبدّل إلى صورته، من مجدٍ إلى مجد، مروراً بالصليب، لنبلغ نور القيامة الذي لا يغيب.

المصدر: البطريركية اللاتينية القدس