أربيل - حين يختار الله خدّام مذبحه ويُباركهم ليُواصِل من خلالهم تدبير كنيسته، يبدؤون مسيرة حياةٍ جديدة، فينطلقون من المذبح إلى العالم، ويعودون إليه حاملين معهم أفراح الناس وهمومهم، ساعين إلى عيش هذه الخدمة بأمانة وفرح، ومدركين أنّ الرسامة، بدرجاتها كافّة، ليست لقبًا للافتخار، بل هي افتخار بالخدمة.
أدرَكَت الكنيسة منذ بداياتها أنّ الإيمان لا يُعاش في الفوضى، بل في جسدٍ حيٍّ منظَّم، لكلِّ عضوٍ فيه خدمته، ولكلّ خدمة معناها. لذا، «أنشأت درجات الخدمة الكنسيّة: شمّاسيّةً وكهنوتيّة، لا لتصنع تمايزًا في الكرامة، بل لخدمة الكنيسة وبُنيان جسد المسيح». فالطّقس ليس شكليّاتٍ، بل تنظيم وترتيب وذاكرة حيّة لمسيرة المسيح، وعَبْرَه، تعبّر الكنيسة عن إيمانها وعبادتها، وما نفعله في الكنيسة ليس تمثيلًا، بل مشاركة في تدبير الخلاص، كما شرح المطران بشّار متّي وردة، راعي إيبارشيّة أربيل الكلدانيّة، في حديثه.
وأوضح أنّ درجات الخدمة لها الكرامة عينها، لأنّها من الله، أمّا الخدمة فمتنوّعة لأنّها تُعطى بحسب النعمة. والرسول بولس يُعلِّمنا أنّ المواهب متنوّعة، لكنّ الروح واحد، كأعضاء كثيرة لجسدٍ واحد، وأيٌّ منها لا يعيش لذاته، بل لبنيان الكلّ. وتابع: «لا تُعطينا الرتبة امتيازًا ولا قداسةً ما لم نسعَ ونجتهد لنتشبّه بالمسيح الذي أعطى مثال التواضع في الخدمة ودعانا إلى الاقتداء به: "فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا السَّيِّدُ وَالْمُعَلِّمُ قَدْ غَسَلْتُ أَرْجُلَكُمْ، فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ"».
يسوع الأوّل والمثال
وأشار إلى أنّ هناك من رأى في درجات الخدمة تدبيرًا اختطّه ربّنا يسوع للكنيسة، حين خدم شمّاسًا قارئًا عندما قرأ من سفر إشعياء في مجمع الناصرة، وشمّاسًا رسائليًّا عندما طهّر هيكل أورشليم، وشمّاسًا إنجيليًّا عندما كرز: «تُوبُوا، فقَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ»، وحين انحنى ليغسل أرجل تلاميذه. وتابع: «خدمَ كاهنًا عندما بارك الخبز والخمر في العلّيّة، وخورأسقُفًا عندما نظّم جماعة الاثنين والسبعين وأرسلهم إلى الخراف الضالّة من بيت إسرائيل، وأركذياقونًا عندما زار القرى والمدن، يشفي الأوجاع والأمراض ويطرد الشياطين».
واستطرد: «خدم أسقفًا عندما ظهر للتلاميذ في العلّيّة ونفخ فيهم ليقبلوا الروح القدس ويغفروا الخطايا، ومطرانًا عندما رفع يدَيه وقدّسَ تلاميذه وأرسلهم ليُتلمِذوا الشعوب، وبطريركًا عندما هنّأ سمعان بطرس واختاره حجرًا ليؤسّس عليه الكنيسة».
قصد آباؤنا في الإيمان أن يُعلّمونا أنّ الكنيسة ليست اختراعًا بشريًّا، بل إبداع الله بتدبيره المحِبّ لنا، فنظّمها واختار لها خدّامًا يحملونها إلى العالم أجمع، وهو يعمل من خلال النظام. وكلّ ما تعيشه الكنيسة اليوم، عاشه ربّنا أوّلًا كخدمة، ونجتهِد كلّنا لنتشبّه به، ففيه تجد كلّ خدمةٍ مصدرها وقوّتها وحيويّتها.
المصدر: جورجينا حبابة، آسي مينا.