تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

كيف نفهم معنى اقتراب الملكوت؟

صورة

أربيل - نقرأ لدى متّى الإنجيليّ أنّ «يوحنّا المَعمَدان جَاءَ يَكرِزُ… قائِلًا: "تُوبُوا، لأَنَّهُ قَدِ اقتَرَبَ مَلَكوتُ السّماوات"». ثمّ يعود ويبلغنا أنّه «لَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ أنَّ يوحنّا أُسْلِمَ، انصَرَفَ إلى الجَلِيلِ… مِنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ ابتَدَأَ يَسُوعُ يَكْرِزُ وَيَقُولُ: "تُوبُوا لأَنَّهُ قد اقتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَات"». فكيف نفهم تكرار هذه الدعوة إلى التوبة؟ وماذا يعني لنا اقتراب الملكوت؟

يضعنا متّى الإنجيليّ أمام عتبةٍ حاسمة: زمنٌ يُغلَق باعتقال يوحنّا، وزمنٌ يُفتَح ببدء كرازة يسوع. «وهي ليست خبرًا دينيًّا يُضاف إلى أخبارٍ كثيرة، بل حدثٌ يُعيد ترتيب الواقع مُعلِنًا: الملكوتُ قريبٌ»، كما شرح المطران بشّار متّي وردة، راعي إيبارشيّة أربيل الكلدانيّة، في حديثه. وأوضح أنّ يسوع، بدعوته السامعين إلى أن يتوبوا، قصد دعوتهم إلى أن يغيّروا الوجهة كلّيًا، لا عبر تحسينٍ سطحيّ للسلوك، بل من خلال عودةٍ جذريّة إلى الله الحيّ الذي يقترب.

وقال إنّ اقتراب ملكوت السماوات لا يعني أنّنا نتحدّث عن مكانٍ بعيدٍ نبلغه بعد الموت، ولا عن مشروعٍ سياسيّ أو مدينةٍ فاضلة أرضيّة. فالملكوت هو قُرْبُ الله نفسه الذي دخل تاريخنا وصار قريبًا جدًّا في المسيح (عمّانوئيل)، حاضرًا في كلمته وفي عمله الخلاصيّ، لا كفكرةٍ مجرّدة، بل كشخصٍ يُقابَل ويُتّبَع.

انقلاب جذريّ

ودعا وردة إلى فهم كلمة «توبوا»، وفق مقصد الإنجيل، «لا بوصفها ندمًا على الماضي أو انضباطًا أخلاقيًّا فحسب، بل انقلابًا جذريًّا يُغيِّر الذهن والقلب، انتقالًا من منطق الشرّ إلى منطق الحقّ، ومن الانغلاق على الذات إلى الانفتاح على الله والآخرين». وشدّد على أنّ التوبة فعلٌ حرّ وشخصيّ، لا يكتمل إلّا بقبول نعمة الله التي تمنح الغفران وتجعل الإنسان «خليقةً جديدة». وأكّد أنّ الدعوة «توبوا»، ليست مقدّمة أخلاقيّة لملكوتٍ سيأتي لاحقًا، بل هي باب الدخول إلى قُربِ الله الذي صار واقعًا في ربّنا يسوع.

ليست التوبة رحلةَ جَلْدِ ذات، بل تحويل اتّجاهٍ، كي نصير قادرين على استقبال هذا القُرْب والعيش فيه، حين نجعل الله «سيّدًا» على حياتنا، لا بمعنى السيطرة، بل بمعنى أنه هو المرجع والغاية والمعنى. وختم وردة: «يصبح الملكوت حاضرًا فينا وحولنا بقدر ما نسمح للنعمة بأن تُعيد تشكيل قلوبنا، فتُثمر رحمةً وعدلًا وصدقًا وصُنْعَ سلام، وكلّ العلامات الهادئة لسيادة الله الآتية. فالتوبة بالأحرى هي فرح لقاءٍ متجدّد بالله الذي ينتظر عودة الإنسان».

المصدر: جورجينا حبابة، آسي مينا.