أطل البابا لاون الرابع عشر من على شرفة مكتبه الخاص في القصر الرسولي بالفاتيكان ليتلو، كعادته، صلاة التبشير الملائكي مع وفود الحجاج والمؤمنين المحتشدين في ساحة القديس بطرس، تحت أشعة شمس حارقة. وألقى كلمة شدد فيها على ضرورة أن نكون أمناء لتعاليم المسيح، وأن نعلن كلمته كما طلب من الرسال.
توقف الحبر الأعظم في كلمته عند إنجيل هذا الأحد مذكرا بأن يسوع أرسل تلاميذه ليبشروا بملكوت السماوات، وأوصاهم بأن يعلنوا في وضح النهار ما سمعوه في الخفاء، وأن ينادوا من على السطوح بما هُمس في آذانهم. وأشار البابا إلى أن هذه الدعوة تجمع بين الإصغاء العميق لصوت الله في سر القلب، وبين إعلان البشارة للجميع، مذكرًا بأن رسالة الإنجيل تنطلق أولًا من لقاء شخصي وفريد مع يسوع المسيح، وهو لقاء يختبره كل مؤمن بطريقة خاصة.
هذا ثم أوضح لاون الرابع عشر أن قوة الرسالة المسيحية لا تعتمد على الوسائل أو التقنيات، بل على عمل الروح القدس في حياة المؤمن، وعلى مدى أصالة استجابته لهذا العمل. في هذا السياق، استشهد بما قاله القديس توما الأكويني عن الوعظ، معتبرًا أنه نقل ما تأمل فيه الإنسان إلى الآخرين. كما شدد الحبر الأعظم على أن التأمل ليس خبرة محصورة بالقديسين أو الرهبان، بل هو دعوة مفتوحة للجميع، من خلال تخصيص لحظات من الصمت وسط انشغالات الحياة اليومية، للوقوف أمام الله، والإصغاء إلى صوته، وإيداعه الأفراح والهموم، ومراجعة مسيرة الحياة معه.
أضاف البابا لاون الرابع عشر أن هذا المسار يساعد المؤمنين على أن يصبحوا تدريجيًا أشخاصًا راسخي الإيمان وواعين له، وبالتالي رسلًا صادقين وأحرارًا، قادرين على حمل نور الإنجيل إلى كل البيئات والظروف، والشهادة له حتى في الأماكن التي قد لا تُفهم فيها قيمته أو لا تُقبل. وتوقف عند واقع الجماعات المسيحية الأولى التي وجّه إليها القديس متى إنجيله، موضحًا أنها عاشت ظروفًا صعبة من العداء والاضطهاد، وهو واقع لا يزال يختبره اليوم كثير من المسيحيين في أنحاء مختلفة من العالم، حيث يبقى خطر الإحباط والخوف والاستسلام حاضرًا.
بعدها أشار الحبر الأعظم إلى أن الأمانة لتعاليم المسيح وإعلان كلمته، في الماضي كما اليوم، يتطلبان التزامًا عميقًا يقوم على مواجهة الكراهية بالمحبة، والتسلط بالوداعة، والإحباط بالمثابرة. وأكد أن ذلك لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال ترسيخ جذور الإيمان والرسالة في علاقة حية وعميقة مع يسوع المسيح، لأن هذه العلاقة هي التي تمنح المؤمن القوة للاستمرار وعدم الاستسلام، وحمل رسالة الرجاء والمحبة والسلام إلى الجميع وفي كل الظروف.
في الختام أكد البابا أن العالم اليوم في حاجة ماسة إلى هذه الرسالة، داعيًا العذراء مريم أن تساعد المؤمنين ليكونوا تلاميذ مرسلين للرب يسوع، كلٌّ بحسب دعوته الخاصة.
بعد تلاوة صلاة التبشير الملائكي، ظهر الأحد، قال البابا: أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، لقد أُحيي أمس اليوم العالمي للاجئين، الذي تنظمه الأمم المتحدة، بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين لاعتماد اتفاقية وضع اللاجئين، التي وُضعت لحماية كل الذين يتعرضون للاضطهاد ويُجبرون على مغادرة أرضهم وبيوتهم وعائلاتهم. أتمنى أن يستمر الروح الذي ألهم صياغة هذه الأداة الدولية المهمة في إنارة ضمائر المسؤولين في الدول حتى يومنا هذا. فلا يمكن لأحد أن يدير وجهه أمام من يبحثون عن الحماية والأمان. كما أحثّ الجميع على استقبال الذين هم ضحايا الاضطهاد، لكي يتمكنوا من العيش بسلام وكرامة، وأن ينظروا إلى المستقبل برجاء وأمل.
المصدر: الفاتيكان نيوز