تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الكاردينال بيتسابالا: نحتاج إلى وقت طويل لشفاء الجراح وإلى الانخراط من أجل السلام

الكاردينال

البندقية - «إن الطريق إلى المصالحة سيكون طويلًا. لكن، حتى لو كنّا قلّة، فلن نستسلم أبدًا لمنطق الاستسلام أمام الحرب والدمار». كانت هذه الرسالة التي أراد بطريرك القدس للاتين، الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، إيصالها إلى الأشخاص الكثيرين الذين التقوه خلال زيارته إلى بطريركية البندقية.

وبدعوة من البطريرك فرانشيسكو موراليا، تنقّل بطريرك القدس للاتين بين لقاءات في المركز التاريخي لمدينة البندقية والموقع الساحلي القريب ييزولو على البحر الأدرياتيكي، الذي يشهد في هذه الأيام ذروة الموسم السياحي وامتلاءه بالمصطافين والزوار.

وأضاف الكاردينال: «أعتقد أن العالم يمكن أن ينقسم إلى فئتين: هناك من يشتكي ويحتجّ ويطالب بالكلام فقط؛ ومن الجيد الاستماع إليهم، لكن علينا أيضًا أن نتركهم هناك. وهناك من يحمل في قلبه الرغبة في السلام والوئام والمشاركة؛ وهؤلاء سيكونون حجر الزاوية الذي يبدأ منه إعادة الإعمار عندما تصل أخيرًا نهاية كاملة للصراع». وتابع بطريرك القدس: «من المهم في الحياة أن يوجد من يريد أن ينخرط، وأن يكون مستعدًا للمجازفة، لكي لا تكون الكلمة الأخيرة للكراهية أو الضغينة أو الانتقام، بل للسلام: سلام حقيقي وفعّال».

البندقية والقدس... علاقة تاريخية عريقة

عند وصوله إلى البندقية، تلقّى الكاردينال بيتسابالا التحية من السلطات المحلية في القصر البطريركي. وقال عمدة المدينة سيموني فينتوريني: «تريد البندقية أن تكون أكثر قربًا من الأرض المقدسة ومن جماعتها المسيحية، ليس فقط من خلال الدعم المادي، بل أيضًا عبر حضور يقوم على الصداقة والإصغاء والمشاركة».

وأضاف: «في هذه الأشهر الصعبة، قدّم الكاردينال بيتسابالا شهادة على الاتزان والحكمة والقدرة على الحوار في سياق شديد التعقيد، تطبعه توترات عميقة. إن مدينتنا، المرتبطة تاريخيًا وثقافيًا بالقدس، تجدّد استعدادها لدعم كل مسار يمكن أن يسهم في السلام والتعايش بين الشعوب».

وقد أعاد بيتسابالا التأكيد على هذا المعنى، مشيرًا إلى أن «من البندقية، مدينة الثقافة والواجهة الدولية، يمكن أن يرتفع صوت أقوى من أجل السلام في الأرض المقدسة». وخلال زيارته، تجوّل الكاردينال في بازيليك القديس مرقس، حيث أعجب بالفسيفساء الرائعة التي تزيّنها، وتوقّف للحظة صلاة أمام ذخائر القديس مرقس الإنجيلي.

مشروع مدرسة في غزة لاستعادة الحياة الجماعية

وخلال لقائه مع الصحفيين، أوضح الكاردينال بيتسابالا أن «الوضع، رغم وقف إطلاق النار، لا يزال بالغ الخطورة». وأضاف: «لقد بقي عدد المسيحيين في غزة 541 شخصًا. لقد فقدوا كل شيء. والمشكلة الأكبر تكمن في غياب البنى التحتية؛ فالناس يعيشون في الخيام، من دون شبكات صرف صحي، وقد غزتهم الجرذان التي تهاجم الناس وتعضّهم».

وتابع بطريرك القدس للاتين: «خلال الحرب، كان الجميع يعيشون في حالة بقاء فقط. أما الآن فتظهر أسئلة كثيرة: متى ستنتهي الأمور؟ ماذا سيحلّ بنا؟ يخبرنا الأطباء أن الأطفال بحاجة إلى دعم نفسي، فهم جميعًا يعانون من الصدمات. سواء بين الإسرائيليين أو الفلسطينيين، هناك مناخ من انعدام الثقة المتبادل، حيث يشعر الجميع بأن وجودهم مهدَّد».

وأضاف: «من الصعب جدًا معرفة كيف ومتى سينتهي هذا الوضع، وما الذي سيكون عليه المستقبل. لقد بدأنا بإعادة تشغيل مدرسة في غزة بنظام تعليمي كامل، لأن التعليم والتنشئة يجب أن يكونا أولوية. لدينا 500 طفل مسجّلين، ونريد مضاعفة هذا العدد. فالمدرسة لا تقتصر على التعليم فقط، بل نقدّم أيضًا وجبات الطعام ونحاول إعادة بناء جماعة متماسكة».

وأوضح أن «إشارات الأمل من المؤسسات قليلة، لكن المجتمع المدني يقدّم العديد منها، وعلينا أن نرعاها، ولا سيما تلك التي تأتي من الشباب». وأضاف: «في الانتخابات المقبلة بعد الصيف، سنرى من يحظى بالدعم. وفي هذا المناخ قد يظهر إغراء اللجوء إلى الرجل القوي. إن حماس لا تتمتع بهذه الشعبية الكبيرة، وهناك رغبة في التغيير. لكن الوضع لا يزال متحركًا، والتنبؤات صعبة».

وبعد التوترات التي شهدتها الأشهر الماضية بسبب حظر احتفالات عيد الفصح، قال الكاردينال بيتسابالا إن «العلاقة مع الحكومة أصبحت الآن صحيحة». وأضاف: «لقد حدثت بعض حالات سوء الفهم، لكن علينا إبقاء قنوات الحوار مفتوحة والمضي قدمًا من أجل الخير العام».

وأكد أن «رجاء السلام يمكن أن ينطلق من المجتمع المدني، ومن التزام كل شخص ببناء شيء جميل وحقيقي. فالخطاب العنيف يخلق الإقصاء والرفض والانقسامات. علينا أن نعزّز ثقافة السلام، ويمكن لمدينة البندقية أن تساعدنا في جعل هذه الرسالة أكثر قوة».

الحديث عن الأرض المقدسة، وإبقاء الاهتمام بها والصلاة من أجلها

وتوجّه الكاردينال بيتسابالا إلى ييزولو، حيث احتفل بالقداس الإلهي في كنيسة العذراء سيّدة المعونة، وسط حضور كبير من المؤمنين. وفي المساء، شارك في لقاء عام نظّمه مجلس المدينة أمام أكثر من 600 شخص، وأدار الحوار الصحفي ماتيو ماتسوتزي.

وانطلق اللقاء، بشكل خاص، من الرسالة الراعوية التي أصدرها الكاردينال بعنوان «عادوا إلى أورشليم بفرح عظيم» (الصادرة عن دار النشر الفاتيكانية). وقال بيتسابالا: «نحن نعتاد على كل شيء، حتى على العيش في سياق تسوده الحرب. نحن بحاجة إلى النظر إلى الواقع. الحرب ليست على وشك الانتهاء، بل على العكس».

وأضاف: «لكن، ككنيسة، هل لدينا ما نقوله؟ ماذا يمكننا أن نفعل، حتى من هنا، لتغيير الأمور؟ علينا أن ننخرط، وأن نغامر، وأن نطرح الأسئلة، وأن نقدّم مقترحات. لا ينبغي أن ننسى أننا مُفتدون، وخلاصنا قد تحقق، وقد غُفر لنا. علينا أن نبدأ بالحديث عن الغفران والمصالحة، وأول خطوة هي أن نصغي بعضنا إلى بعض».

وتابع بطريرك القدس للاتين: «ليس صحيحًا أن كل شيء مباح، وأنه عندما أناضل من أجل البقاء يمكنني أن أفعل أي شيء. ليس كل شيء قد ضاع، فهناك كثيرون ممن يرفضون الاستسلام للانحدار. إن نزع الإنسانية عن الآخر يهدّد بأن يقودنا إلى الدمار».

وقال: «هناك جراح عميقة، وستحتاج إلى وقت طويل كي تلتئم، لذلك يجب علينا أن نخلق مساحات للحياة. ورغم كل شيء، يدعونا الله إلى أن نبقى معًا. ماذا يمكننا أن نفعل؟ علينا أن نتحدث عمّا يحدث في الأرض المقدسة، وأن نبقي الاهتمام بها حاضرًا، وفوق كل شيء، كمؤمنين، أن نصلّي».

الودعاء اليوم هم الذين يبنون مستقبل الغد

اختتم الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا صباح الخميس 9 تموز زيارته التي استمرت يومين إلى البندقية، حيث احتفل للمرة الأولى بالقداس الإلهي في بازيليك سيدة الصحة، المكان العزيز على قلب أبناء البندقية، الذين يحيون كل عام في 21 تشرين الثاني النذر التاريخي القديم شكرًا للتخلّص من وباء الطاعون في زمن جمهورية البندقية.

وكان الكاردينال قد شارك في المناسبة الأخيرة عبر رسالة مصوّرة خلال حجّ الشباب التقليدي الذي يُقام مساء عشية العيد، أما هذا العام فقد ترأس الاحتفال بنفسه أمام الكنيسة الممتلئة بالمؤمنين، رغم موجة الحر الشديد.

وفي عظته، جدّد بطريرك القدس للاتين الدعوة إلى التمسّك برجاء السلام، قائلًا: «نحن مدعوون إلى تنمية الرغبة في السلام التي تأتي من المسيح، والتي تجعلنا أحرارًا. لا ينبغي لنا أبدًا أن نستسلم للكراهية أو الضغينة أو روح الانتقام، بل أن نرغب في السلام والعدالة». وأضاف: «يعلمنا يسوع أن نكون أحرارًا من انتظار النتائج. فما يجب أن يدفع عملنا ليس انتظار ردٍّ مقابل، بل الرغبة في الخير وفي اللقاء، الذي يبقى دائمًا اقتراحًا يقوم على الحرية الكاملة».

وختم الكاردينال بيتسابالا قائلًا: «في وقت يبدو فيه، ظاهريًا، أن عظماء العالم يقرّرون مصائر البشرية، علينا جميعًا أن نتذكّر أمرًا واحدًا: طوبى للودعاء فإنهم يرثون الأرض. فالودعاء اليوم هم الذين يبنون مستقبل الغد».

وفي ختام الزيارة، أعلن بطريرك البندقية، مع تمنّيه أن يستمر التعاون مع الأرض المقدسة بشكل أكثر فاعلية، أن البطريركية ستدعم مشروع بناء المدرسة في غزة من خلال جمع التبرعات في الرعايا، إضافة إلى مساهمات الأسقف الخيرية.

المصدر: موقع أبونا.